الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
293
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقول في أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ نظير قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ [ الواقعة : 58 ] . و ما تَحْرُثُونَ موصول وصلة والعائد محذوف . والحرث : شق الأرض ليزرع فيها أو يغرس . وظاهر قوله : ما تَحْرُثُونَ أنه الأرض إلا أن هذا لا يلائم ضمير تَزْرَعُونَهُ فتعين تأويل ما تَحْرُثُونَ بأن يقدر : ما تحرثون له ، أي لأجله على طريقة الحذف والإيصال ، والذي يحرثون لأجله هو النبات ، وقد دل على هذا ضمير النصب في أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ لأنه استفهام في معنى النفي والذي ينفى هو ما ينبت من الحب لا بذره . فإن فعل ( زرع ) يطلق بمعنى : أنبت ، قال الراغب : الزرع ، الإنبات ، لقوله تعالى : أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ فنفى عنهم الزرع ونسبه إلى نفسه اه واقتصر عليه ، ويطلق فعل ( زرع ) بمعنى : بذر الحب في الأرض لقول صاحب « لسان العرب » : زرع الحب : بذره ، أي ومنه سمي الحب الذي يبذر في الأرض زريعة لكن لا ينبغي حمل الآية على هذا الإطلاق . فالمعنى : أفرأيتم الذي تحرثون الأرض لأجله ، وهو النبات ما أنتم تنبتونه بل نحن ننبته . وجملة أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ إلخ بيان لجملة أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ كما تقدم في أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ [ الواقعة : 59 ] والاستفهام في أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ إنكاري كالذي في قوله : أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ . والقول في موقع أَمْ من قوله : أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ كالقول في موقع نظيرتها من قوله : أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [ الواقعة : 59 ] أي أن ( أم ) منقطعة للإضراب . وكذلك القول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ مثل ما في قوله : أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ [ الواقعة : 59 ] . وكذلك القول في نفي الزرع عنهم وإثباته للّه تعالى يفيد معنى قصر الزّرع ، أي الإنبات على اللّه تعالى ، أي دونهم ، وهو قصر مبالغة لعدم الاعتداد بزرع الناس . ويؤخذ من الآية إيماء لتمثيل خلق الأجسام خلقا ثانيا مع الانتساب بين الأجسام البالية والأجسام المجددة منها بنبات الزرع من الحبة التي هي منتسبة إلى سنبلة زرع أخذت